الأربعاء , مايو 22 2019
الرئيسية / الاخبار / في كل عام
كنت أستمع لأغنية (في كل عام) التي تغنيها فرقة عقد الجلاد.. بموسيقى رائعة أضافت بعداً آخر لكلمات الشاعر الرقيق فاروق جويدة.. غير أن سعدية النكدية لم تتركني في حالي.. إذ أن كلمات الأغنية تداخلت مع صور الخريف الذي يأتينا كل عام.. ويفعل بنا أفاعيله التي نعيد ونكرر الكتابة فيها.. ثم يرحل.. و(نرجع ريما لعادتها القديمة).. في كل عام.. يفيض نهر القاش (في ذات الموعد).. ويكسر ويهدم البيوت في كسلا الوريفة.. وترتفع نداءات الإغاثة.. وتجتمع أيادي النفير.. وعقد الجلاد تغني (في كل عام كنت ترحل يا حبيبي في دمي.. وتدور ثم تدور.. ثم تعود في قلبي لتسكن شاطئيه) هذا هو حال القاش.. الذي يكمل دورانه ومهمته.. ومن ثم يعود إلى شاطئيه.. وهو يضحك من هذا الشعب الذي يفتح صدره كل عام للموت وهو يتوقع أن يغير النهر عادته الأزلية.. أو ربما يراهن على الحظ الذي نادراً ما يصدق.. (لكن أزهار الشتاء بخيلة.. بخلت على قلبي كما بخلت عليك).. والقصة أصلاً أن الطبيعة لا هي بخيلة ولا كريمة.. لكنها (متعودة.. دايماً) على أوقات محددة وأزمنة معروفة في السنة.. والعاقل من اتخذ دراسة الظواهر الطبيعية ديدنه. من (تبينا قمنا ربينا).. نهر عطبر..

في كل عام

%name في كل عام

كنت أستمع لأغنية (في كل عام) التي تغنيها فرقة عقد الجلاد.. بموسيقى رائعة أضافت بعداً آخر لكلمات الشاعر الرقيق فاروق جويدة.. غير أن سعدية النكدية لم تتركني في حالي.. إذ أن كلمات الأغنية تداخلت مع صور الخريف الذي يأتينا كل عام.. ويفعل بنا أفاعيله التي نعيد ونكرر الكتابة فيها.. ثم يرحل.. و(نرجع ريما لعادتها القديمة).. في كل عام.. يفيض نهر القاش (في ذات الموعد).. ويكسر ويهدم البيوت في كسلا الوريفة.. وترتفع نداءات الإغاثة.. وتجتمع أيادي النفير.. وعقد الجلاد تغني (في كل عام كنت ترحل يا حبيبي في دمي.. وتدور ثم تدور.. ثم تعود في قلبي لتسكن شاطئيه)
هذا هو حال القاش.. الذي يكمل دورانه ومهمته.. ومن ثم يعود إلى شاطئيه.. وهو يضحك من هذا الشعب الذي يفتح صدره كل عام للموت وهو يتوقع أن يغير النهر عادته الأزلية.. أو ربما يراهن على الحظ الذي نادراً ما يصدق.. (لكن أزهار الشتاء بخيلة.. بخلت على قلبي كما بخلت عليك).. والقصة أصلاً أن الطبيعة لا هي بخيلة ولا كريمة.. لكنها (متعودة.. دايماً) على أوقات محددة وأزمنة معروفة في السنة.. والعاقل من اتخذ دراسة الظواهر الطبيعية ديدنه.

من (تبينا قمنا ربينا).. نهر عطبرة.. ونهر القاش.. والنيل الأزرق.. درسناها في الجغرافيا.. كلها أنهار تفيض في مواسم محددة كل عام.. متزامناً مع هطول الأمطار في الهضبة الإثيوبية.. والتي هي من ما قامت مرتفعة.. بالتالي.. أكيد لن تحبس المياه عندها.. فترسلها مندفعة إلى بلادنا الحبيبة.. وهي بدورها (من قامت في الدنيا دي) سهلية.. وأراضيها منبسطة.. يعني كل عام.. سيفيض القاش.. وسيدمر ما حوله.. ولو لم يفعل ذلك يبقى في مشكلة.. و(من خلى عادته.. قلل سعادته).

لو كنا في بلاد أخرى.. لفعل الإنسان كل ما بوسعه للوقاية من خطر فيضان الأنهار الموسمية.. كأن تبنى حواجز ضخمة حول شواطئ الأنهار.. ولو كان ذلك صعباً.. يمكن حفر قنوات تعدل مسار المياه ويستفاد منها في زراعة نباتات ومحاصيل.. لو كنا في بلاد أخرى لم يكن يسمح للناس بالسكن في مجاري السيول.. ولا قرب الأنهار دون اتخاذ حماية للمساكن والبشر.. لكنا طبعاً لازم كل ما تحدث كارثة.. من ظاهرة طبيعية معروفة.. تحدث كل سنة في ذات الموعد.. لأن شعارنا.. هو (مرت سنة وعادت سنة.. وأنا يا زمن زي ما أنا).

ها هي مدينة النهود تغرق تحت أمطار غزيرة.. ويتشرد المئات تبعاً لذلك.. والشيء المحزن.. أن الأمطار وموعد هطولها.. وكميتها واتجاه الرياح كلها أشياء يمكن معرفتها وتوقعها.. والتجهيز لها ولو برفع درجة التأهب والاستعداد للكوارث.. لكن لو جهر أحد ما بهذا.. سيجد ألف صوت يقول له (يا اخي باركها.. ليه إنت متشائم كدا.. يمكن تجي خفيفة).. وعندما تأتيهم ثقيلة وسيول جارفة.. سيطالبون المواطنين بالصبر على البلاء.. فالأمر قضاء وقدر، والمؤمن مصاب.. ونحن محسودون على هذه النعم الكثيرة.. والخ..الخ ..

في الختام.. يبقى واجب علي أن أتقدم باعتذاري لفرقة عقد الجلاد.. وللشاعر أيضاً.. فقد أصابتنا الأحوال بتشويش استقبال كل مفردات الجمال.. وصرنا نقوم بتحويرها وتأويلها كيفما اتفق وننزلها على حالنا البائس.. جراء ذلك (تمسخ) الأغنية بعد مسخ المعنى.. واعتذاري يمتد أيضاً لك عزيزي القارئ.. فقد تحملت مني الكثير.. بعد أن تعودت أنا كما تقول الأغنية في نهايتها أن (ألقي بعض أحزاني لديك).