القسم العام

كيفية التيمم الصحيحة

التيمّم

التيمّمُ في اللّغةِ العربيّة هو القصدُ والتّوجهُ، فإذا قِيل تيمّم فلانٌ المَدينةَ أو يَمّم نحو المدينة؛ فالمعنى أنّه توجّه نحو المدينة وقصَد المدينة،[١] أمّا التيمّم في الشّريعة الإسلاميّة فهو قصد الصّعيد الطّاهر، أي التّراب الطّاهر واستعمالهُ بنيّة التطهّر من الحَدَث عند عدم وجود الماء، أو عدم القدرة على استعمال الماء في حال وجوده.[٢]
يُلاحظُ أنَّ هناكَ ترابطٌ بين المعنى اللُغويّ والمعنى الشرعيّ للتيمّم؛ فالتيمّمُ هو القصدُ في اللّغةِ، وفي الشّريعة قصد التّراب بضربتين؛ واحدةٍ للوجه، وأُخرى لليدين بنيّةِ التّطهر واستباحة الحدث، فالقصدُ والتوجّهُ معنىً مشتركٌ بين المعنى اللُغويّ والمعنى الشرعيّ.[٣]

كيفيّة التيمّم

يكون التيمّم بأن يَضرب من أراد التيمّم التّرابَ ضربتين بكفيه، ثم ينفض الكفّين ليتساقط ما علق بهما من حصى مُؤذٍ أو أيّ مادّة قد تُشكّل عازلاً من نقل التّراب، ثمّ يَمسح المُتيمّم وجههُ بكفّيهِ، ثم يَضرب التّراب بكفيّه ضربةً أُخرى، ثم ينفض كفّيه لإزالة ما علق بهما من حصىً ونحوه، ثم يمسحُ يده اليمنى باطناً وظاهراً بيده اليُسرى، ويمسح يده اليُسرى باطناً وظاهراً بيده اليُمنى، ويكون حدّ المسح لليدين إلى المِرفقين وهو قول الإمام أبي حنيفة،[٤]والإمام مالك،[٥] والشافعيّة.[٦] وقال الحنابلة:[٧] إنّ مسح اليدين في التيمّم يكون إلى الكوعين، أي إلى الرُّسغين.

التيمّم مَظهر من مظاهر التّيسير

يُعتَبر التيمّم بالتّرابِ الطّاهرِ مظهرٌ من مظاهر التّيسير في الشّريعة الإسلاميّة، وذلك لأنّ الأصل التطهّر من الحدثين، الأصغر والأكبر، بالماء؛ فالحدث الأكبر يتمّ التطهّر منه بالاغتسال بالماء، وذلك بغسل جميع الجسم بالماء، أمّا الحدث الأصغر فالتطهّر منه يكون بالوضوء، ولكن قد تطرأ ظروفٌ استثنائيّة كأن يحتاج الإنسان المسلم للاغتسال للطّهارة من الحدث الأكبر، أو الوضوء للطّهارة من الحدث الأصغر، ولكنّه لا يجد الماء للطّهارة، أو قد يكون الماء موجوداً إلا أنّه لا يستطيعُ استعماله؛ وذلك لأنّه يتضرّر المسلم أحياناً باستعمال الماء؛ إمّا بسبب المرض، أو الشّيخوخة أو البرد الشّديد، ولذلك جاء التيمّم رخصةً من الله سبحانه وتعالى للتّيسير على النّاس، ورفع الضّيق والحرج عنهم في مثل الحالات السّابقة، والشّريعة الإسلاميّة تمتاز بالسّهولة، والتّيسير، ورفع المَشقّة والحرج عن النّاس،[٨] والله سبحانه وتعالى يقول:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).([٩])

حكم التيمّم والأدلة عليه

التيمّم مشروعٌ وجائزٌ، وقد وردت مشروعيّته في القرآن الكريم، والسُنّة النبويّة الشّريفة، وأجمع المُسلمون على مشروعيّة التيّمم وجوازه عند عدم وجود الماء، أو إذا خاف المسلم الضّرر على نفسه من استعمال الماء، واستدلّ العلماءُ على مشروعية التيمّم وجوازه بأدلةٍ كثيرةٍ من القرآن الكريم ومن السُنّة النبويّة الشّريفة، ويُكتفَى بذكر دليلٍ واحدٍ من القرآن الكريم، ودليلٍ من السُنّة النبويّة الشّريفة:

  • الدّليل من القرآن الكريم: واستدل العُلماء على مشروعيّة التيمّم من القرآن الكريم بقوله تعالى: (..وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا).[١٠]
الآية الكريمة من سورة النّساء فيها دلالة صريحة على جواز التيمّم ومشروعيّته، فمن انتقضت طهارته ولم يجد الماء يتيمّم بالتّراب الطّاهر بتوجيهٍ مُباشر، كما ورد في الآية الكريمة.[١١]
  • الدّليل من السُنّة النبويّة الشّريفة: فقد استدلّ العُلماء على مشروعيّة التيمّم وجوازه من السُنّة النبويّة الشّريفة بالحديث الطّويل الذي يرويه الصحابيّ الجليل عمران بن حصين -رضي الله عنه- حيث ورد في الحديث: (…فسار غيرَ بعيدٍ ثمَّ نزَل فدعا بماءٍ فتوضَّأ ونودي بالصَّلاةِ فصلَّى بالنَّاسِ فلمَّا انفتَل مِن صلاتِه إذا هو برجلٍ معتزلٍ لم يُصَلِّ مع القومِ قال: (ما منَعك يا فلانُ أنْ تُصلِّيَ مع القومِ؟) قال: يا رسولَ اللهِ أصابتني جنابةٌ ولا ماءَ. فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (عليك بالصَّعيدِ فإنَّه يكفيكَ)).[١٢]
وفي الحديث دليل على جواز التيمّم فالرّسول -عليه الصّلاة والسّلام- في الحديث الشّريف الذي يرويه عمران بن حصين أمر الصحابيّ الذي لم يُصلّي بسبب عدم وجود الماء بالتيمّم بالتّراب الطّاهر، وهو دليلٌ صريحٌ على جواز التيمّم ومشروعيّته، ولو لم يكن التيمّم جائزاً لما أمر الرّسول -عليه الصّلاة والسّلام- ذاك الصحابيّ بالتيمّم.[١٣]

حالات جواز التيمّم

يجوز التيمّم في الحالات الآتية:[١٤]

  • عند عدم وجود الماء؛ فمن فقد الماء ولم يكن بمقدوره الوضوء بسبب فقد الماء، فعليه أن يتيمّم للصّلاة.
  • المرض الذي يَتأثّر المريض المُصابُ بمرض يُؤثّر استعمال الماء في المريض بحيث يضرّ بالمريض أو بأعضائه، أو يكون استعمال الماء سبباً في تأخّر شفاء المريض من مرضه، ففي هذه الحالة يجب على المريض ترك استعمال الماء للوضوءويتيمّم للصّلاة.
  • يجوز التيمّم في حالات البرد الشّديد.

فروض التيمّم

  • أن يدخل وقت الصّلاة، فمن أراد التيمّم ليُصلّي الظّهر على سبيل المثال فلا يتيمّم إلا بعد أن يُؤَذَّنَ لصلاة الظّهر، فإن تيمّم قبل الأذان ثمّ أذّنَ المؤذنُ لصلاةِ الظّهر فعليه أن يتيمّمَ مرّةً أُخرى؛ لأن التيمّم الأول كان قبل الأذان.[١٥]
  • النيّة، وذلك بأن ينوي عند التيمّم استباحة الصّلاة، واستباحة كلّ ما منعه الحدث.[١٦]
  • أن يتيمّم بالتّراب الطّاهر، فلا يتيمّم بالزّجاج أو الخزف المحروق، أو الجبصين المحروق، أو بالرّمل الذي لا غبار له، وأجاز أبو حنيفة التيمّم بالحجر والطّين والحائط وحتّى بالملح إن كان مصدره الأرض لا البحر.[١٧]
  • مسح الوجه بعد الضّربة الأولى بكفّيه على التّراب.
  • مسح اليدين إلى المِرفقين بعد الضّربة الثّانية بكفّيه على التّراب.
  • من فروض التيمّم عند الشافعيّة التّرتيب؛ بأن يبدأ المُتَيَمّم بالوجه، ثم اليدين إلى المِرفقين.[١٨]

سنن التيمم

للتيمّم سننٌ لمن أراد أن يتيمّم اقتداءً بالنّبي -عليه الصّلاة والسّلام- لينالَ أجرَ السُنّةِ وثوابها:

  • التّسمية: والتّسمية هي أن يقول المُتَيَمِّم في بداية التيمّم: بسم الله الرّحمن الرّحيم.[١٩]
  • التّيامن: وهو أن يُقدّم المُتيمّم يده اليُمنى على اليُسرى عند التيمّم.[٢٠]

نواقض التيمم

  • ينتقض التيمّم بحدوث أيّ ناقض من نواقض الوضوء، وهي : الحَدَث، والرّيح، والنّوم، والإغماء، وكل ما ينقض الوضوءينقض التيمّم.[٢١]
  • ينتقض التيمّم بوجودِ الماء لمن كان سببُ تيمُّمه عدمُ وجودِ الماء، ويكون انتقاض التيمّم بوجود الماء قبل الدّخول في الصّلاة، فإن تيمّم شخصٌ وبدأ بالصّلاةِ ثم حضر الماء فلا ينتقض تيمّمه، بل يُتِمُّ صلاته ويُكملها لا يُعيدها.[٢٢]

المراجع

  1. مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط، القاهرة: دار الدعوة، صفحة 27، جزء 1.
  2. أبو بكر علاء الدين السمرقندي (المتوفى: نحو 540هـ) ( 1414 هـ – 1994 م.)، تحفة الفقهاء (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب العلمية ، صفحة 35.
  3. محمد رواس قلعجي، حامد صادق قنيبي ( 1408 هـ – 1988 م)، معجم لغة الفقهاء (الطبعة الثانية)، .: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 152.
  4. برهان الدين ابن مازة (1424هـ-2004م)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 133، جزء 1.
  5. ابن رشد القرطبي (1408هـ-1988م)، البيان والتحصيل (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الغرب الإسلامي، صفحة 46، جزء 1.
  6. الخطيب الشربيني (1415هـ-1994م)، مغني المحتاج، .: دار الكتب العلمية، صفحة 263، جزء 1.
  7. منصور البهوتي، الروض المربع، .: دار المؤيد، صفحة 47.
  8. رائد الحازمي (1432هـ – 2011م)، أحكام اليتيم دراسة فقهية مقارنة(الطبعة الأولى )، الرياض : دار الصميعي ، صفحة 5،6.
  9. سورة الحج، آية: 78.
  10. سورة النساء، آية: 43.
  11. عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ) ( 1420هـ -2000 م)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان(الطبعة الأولى)، .: مؤسسة الرسالة، صفحة 179.
  12. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمران بن حصين، الصفحة أو الرقم: 344.
  13. أحمد بن علي بن حجر ( 1379هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار المعرفة ، صفحة 451، جزء 1.
  14. الكاساني ( 1406هـ – 1986م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع(الطبعة الثانية)، .: دار الكتب العلمية، صفحة 44 وما بعدها، جزء 1.
  15. الماوردي، الإقناع، .: .، صفحة 30وما بعدها.
  16. ابن جزي، القوانين الفقهية، .: .، صفحة 30.
  17. الكاساني (1406هـ – 1986م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع(الطبعة الثانية)، .: دار الكتب العلمية، صفحة 54، جزء 1.
  18. الماوردي، الإقناع، .: .، صفحة 30 وما بعدها.
  19. ابن جزي، القوانين الفقهية، .: .، صفحة 30.
  20. الماوردي، الإقناع، .: .، صفحة 31.
  21. الكاساني (1406هت-1986م)، بدائع الصنائع، .: دار الكتب العلمية، صفحة 56، جزء 1.
  22. ابن جزي، القوانين الفقهية، .: .، صفحة 30.

زر الذهاب إلى الأعلى